أشهر هاش تاج #

في الاغتيالات والعنف الشائع (1).. استذكار لروح أمجد عبد الرحمن

في الاغتيالات والعنف الشائع (1).. استذكار لروح أمجد عبد الرحمن
  • المصدر أون لاين
  • 03:23 - 01/05/2019
مشاركة

لسنوات والأحداث في اليمن، ودول أخرى عربية، تجعلنا في مواجهة مباشرة مع الموت والفقدان. فبعضنا معرض للخطر المباشر وبعضنا نجا منه وكلنا ننعي فقدانات كثيرة متكررة. ولا يمر يوم علينا إلا ونشاهد تعزية ونعوة هنا وهناك.

وبعد سنوات من الاحتراب في اليمن نتيجة أولاً للانقلاب الحوثصالحي بلغ الموت أعماقنا ووصل إلى كل بيت. لذا يتغيّر مذاق الفقدان بسبب التكرار. وأسوأ ما يقع للمجتمع هو اعتياده على الموت والفقدان. والحزن بالغ وصادق على كل نفس تُزهق وكل دم يهدر هنا أو هناك. إلا أن بعض الموت حياة كما يقول البردّوني. وبعض الفقدان يقظة وحضور.

والحقيقة، أن حالات الاغتيالات في اليمن عديدة، خصوصاً في المناطق التي تعد محررة، وهي مؤسفة ومؤلمة جداً. ومعظمها يندرج في إطار التصفيات الجسدية السياسية لفصيل معين. فقد نال حزب الإصلاح في عدن الحصة الأكبر من الاغتيالات، استهدفت تحديداً خطباء من أنصاره، وناشطيه وأتباعه بشكل عام. وهي في تعز على سبيل المثال تنال الاغتيالات من أفراد الأمن والجيش (300 حالة اغتيال في السنوات الثلاثة الماضية بحسب البعض) ثمن حالة نزاع فصائل مقاتلة متقاتلة واختلال أمني وتأخر عودة مؤسسات الدولة وتوحيد الوحدات القتالية وتوزيعها جغرافيا. بل والسبب الرئيس هو التأخر في حسم معركة المدينة/ المحافظة التي لم تسلم الخراب والدمار ولم تنل شرف التحرير الكامل وعودة الحياة في جسدها الجمهوري المديني.  

لكن بعض الاغتيالات ذات دلالة أكبر وانعكاسات على المجتمع وتمثل حالة دراسة غنية لفهم ما يدور وفحص الخطاب العام تجاه الموت أو النتيجة العامة للتحريض وتلبس القضايا. وهكذا يكون الحديث عن الشاب أمجد عبد الرحمن. والغرض من التخصيص لا يعني بأية حال من الأحوال تجاهل الآخرين الذين هم ضحايا للعنف والاغتيالات. ولكن الإنطلاق من الخاص إلى العام في التعامل مع حالة بالغة الدلالة.     

 

نتوخى من الكتابة أن نعيد وضع جريمة القتل وإخراجها من سياقها الجنائي البسيط - الذي يمكن أن يختزل في واقعة إقدام شخص على إزهاق روح شخص آخر  - من خلال استيضاح سياقها ودافعها وتوضيح الاغتيال بدلالته للعنف الاجتماعي والسياسي وهدفه من قتل الواحد الفرد إلى قتل الكل المجتمع.

مشكلة الكتابة عن الاغتيالات الحاصلة فضلاً عن صدق الشعور فهي تواجه طبيعة الكتابة في مجال الاغتيالات ذات الصبغة التاريخية والصحفية والنعوية التي درجت على تناول الاغتيال من باب سرد الاحداث التاريخية دون الغوص في تحليلها خارج التفاعل العاطفي والانفعالي. ولأن الاغتيال جريمة فإنها تستدعي طَرق اصطلاحات من طبيعة البحث النفسي والدراسات الجنائية والدراسات الاجتماعية. فضلاً عن أن الاغتيال يقوم في مجمله في اليمن الآن على أسس دينية نتيجة لتطرف الرؤى لدى بعض الجماعات "السلفية" التي ترفض الفكر المغاير وتتهم الناس بالكفر والإلحاد وتقتلهم على هذا الأساس، وهناك سابقة قتل واحدة على الأقل مماثلة لمقتل أمجد فإن الزاوية التي يمكن من خلالها رؤية اغتيال أمجد هي زاوية التطرف الديني. ومثلها يمكن قراءة مقتل الخطيب عمر دوكم في تعز ضمن استهداف الخطاب العقلاني.

لكن المشكل تكمن كذلك في موضوع الاغتيال وهو قد يتناول أمجد، عمر باطويل، عمر دوكم. فهو اغتيال لشاب في مقتبل العمر وفي ظروف عنف شائع ولحظة موت للسياسة مقابل ازدهار للخطاب المعادي للسياسة ولحظة خروج من معارك. بالتالي لا يستطيع المجتمع المدني إظهار طاقاته كاملة لذا فإن المقتول يمثل اغتيالاً للحلم ولبذور الفعل المجتمعي والسياسي في أنه أكثر من اغتيال لقيادي أو لرجل أعمال ثري.

على سبيل المثال، مقتل أمجد في منتصف مايو 2017 لم يكن حادثة في إطار صراع فتيان عنيف أو جماعات مهنية متناحرة لكنه قتل لاعتقاد القاتل بانه يحرس العقيدة. قتل بتهمة الخروج عن الدين؛ أي قتل باسم المقدس. إنه عمل يتخذ طابع المقدس يقود إلى جريمة. أي أننا أمام حالة تعبدية متماثلة مع الجريمة لمجرد الاختلاف. قتل أعزل.

نحن أمام عمل إرهابي إذاً. ولكن كيف يمكن تفسير هذه العملية الإرهابية التي تستهدف فرداً؟ يذهب جان-كلود شينيه [تاريخ العنف، دار بلورييل، باريس 1982كتاب غير مترجم] في تناوله للإرهاب إلى العلاقة بين الإرهاب والنضج السياسي للدول؛ الإرهاب كما كان ظاهراً في سبعينيات القرن المنصرم سيما والكتاب قد ظهر في بداية الثمانينيات حيث تركز الحديث عن الإرهاب على الإرهاب الأوروبي قبل أن تنتقل الوصمة الى العالم الإسلامي.

ويقسم الكاتب الذي اشتغل على تاريخ العنف الدول إلى صنفين تلك التي ترسخت لديها تقاليد ديمقراطية وتقييم عالي للحريات وحرية التعبير وصار المجتمع في مستوى من الوعي يسمح له بتشخيص المخاطر التي تمس استقرار البلاد ومجتمعات أخرى، حيث لا وجود للحريات ولكن دولة قمعية فاعلة في هذه الدول يجد الإرهاب صعوبة في التمدد. بالمقابل هناك دولة تمر في مرحلة انتقالية وهي ديمقراطيات ناشئة خرجت للتو من مرحلة شمولية قاسية وما يزال تقاسم السلطة والتعددية في مراحله الأولى فإنها تتسم بالهشاشة التي تجعل الإرهاب يتوغل فيها بيسر (ص 338).


* المقال خاص بالمصدر أونلاين